كليتون كريستنسن: "سيفرض نمو الصين تنافسا مع الغرب على مستوى الابتكار"
Published 28/06/2011 in Arabic Knowledge@Whartonأفضل وصف يمكن تقديمه للابتكار المشوَّش هو القول بأنه "عملية يبدأ بموجبها منتج أو خدمة ما على شكل استعمالات بسيطة أسفل السوق، قبل أن ينطلق بعد ذلك بلا هوادة إلى "أعلى السوق" مفضيا في النهاية إلى زعزعة استقرار منافسيه"، وهذا حسب الموقع الالكتروني للسيد كليتون كريستنسن، الأستاذ بكلية هارفرد لإدارة الأعمال.
باعتباره من كبار مفكري العالم الذين يدرسون الابتكار، وأعلى سلطة في ما يتعلق بعملية الابتكار المشوَّش، ناقش كليتون كريستنسن مع المعرفة في وارتن بالعربية رأيه حول الربيع العربي، وحول قيام كل من الهند والصين بتطوير اقتصاديهما وحول المصدر القادم للابتكار المشوَّش. وأشار كريستنسن إلى كون الفساد يبقى مصدر قلق في ما يتعلق بكل من الهند والصين، ولكنه أضاف أن ما يشكل عامل ضغط أقوى على الصين هو نموها السريع الوتيرة. وبالتالي فإنه سيكون على الصين قريبا التنافس مع الغرب حول بابتكار المنتجات.
فيما يلي نسخة منقحة من الحوار.
المعرفة في وارتن بالعربية: تحدثتم العام الماضي خلال منتدى للرؤساء التنفيذيين في الإمارات العربية المتحدة، وركزتم على مسألة الابتكار المشوَّش وفرص النمو في تلك الأسواق الإقليمية. آخذا الربيع العربي بعين الاعتبار، ما الذي تطور؟
كليتون كريستنسن: لقد حاورت مؤخرا شخصين، الأول منهما كان رئيسا تنفيذيا من دولة سنغافورة والآخر كان خبيرا صينيا في الاقتصاد ذا انتماء ماركسي. الاثنان اتفقا على أنه من أجل بناء مجتمع مسالم ومزدهر، ( مع توزيع متكافئ للفوائد) على ذوي الدخل المنخفض، يجب تحقيق شرطين. أولا يجب عليك تحديد القواعد التي على الجميع احترامها من أجل جعل النظام ناجعا؛ عليك أن تنظر إلى حياة الآخرين وحرياتهم كما تنظر إلى حياتك وحريتك. ثانيا عليك أن تتوفر على آلية لمحاسبة الأشخاص الذين لا يحترمون تلك القوانين.
قال صديقي السنغافوري: "للوصول إلى ذلك النوع من المجتمعات يمكن مثلا القيام بما فعلته سنغافورة." ثم وضع يده حول خريطة بلاده المتنوعة، حيث كانت تشتمل على أربع جماعات عرقية كانت تكره بعضها البعض، ثم قال: هناك قوانين، وهي قوانين واضحة. و آلية معاقبة المذنبين لها قبضة قوية. وإذا ما تم القبض عليك فإنك تحاسب إما بالإنصاف أو بالعقاب.
أما صديقي الصيني فقال: الآن أنتم الأمريكيون قد اخترتم التوجه الآخر، وهو الديمقراطية. وأشار إلى كون الديمقراطية تكون ناجعة فقط إذا كان هناك دين في الخلفية لديه القدرة على التعبير على نفس هذه القوانين. فالأشخاص المتدينون يحترمون القوانين عن طيب خاطر. ففي الحقيقة لا يهم إن كانت هناك شرطة أو محكمة قد تلقي عليك القبض، فأنت مؤمن بأن الله سيحاسبك. ويجب أن يكون هذا الدين ذا تأثير كبير على اختيارات الناس بحيث يمتثلون حتى للقوانين غير المطبقة.
غير أنه بين الحالتين الأولى والثانية، أي أنك إذا كنت تتوفر على نظام ديمقراطي يعيش في كنفه أناس لا يؤمنون حقيقة لا بكون الله سيحاسبهم، ولا بكون السلطة ستقبض عليهم، ففي هذه الحالة ستتكون أرضية وسط يسودها الفساد، وهذه إذا هي حال البلدان التي يستديم فيها الفقر والعنف.
وبالتالي فإني أظن أن "الربيع العربي" لن يجعل إمكانية إحداث تشويش أكثر احتمالا مما كانت عليه في الماضي. لا يبدو أنه سيفعل. ما يجب أن يحدث هو إما أن تنشأ الديمقراطية، أو أن ينبثق وعي بكون الناس سيخضعون للمحاسبة إما من طرف الله أو من طرف دكتاتور صريح، مثل "رئيس الوزراء السنغافوري السابق" لي كوان يو Lee Kuan Yew، أي أنه يقوم فقط بوضع القوانين وعلى الجميع إتباعها. هذه طريقة طويلة للقول "بأنني لست واثقا من كوني أستطيع التنبؤ إن كانوا سيضعون أساسا كهذا." لكن هناك فرصا هائلة للنمو بشكل مشوش.
المعرفة في وارتن بالعربية: ما هي بعض تلك الفرص؟ وسؤال كنت قد طرحته من قبل وهو لماذا لم يستغل الشرق الأوسط إفريقيا ليحدث تشويشا؟
كريستنسن: هناك مثلا سوق السيارات في إفريقيا، والذي كان تاريخيا يشمل سيارات مستعملة تستورد من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. أما الآن فهناك الصينيون؛ حيث قامت ثلاث شركات متخصصة في صنع السيارات باحتلال مكان جميع السيارات الأوربية في إفريقيا، وذلك عبر طرح سيارات صغيرة و بخسة الثمن تتميز بكونها جديدة ويعتمد عليها. وهناك شركة ناجحة أخرى في إفريقيا وهي شركة للهواتف النقالة قامت بتطوير خدمة لتحويل الأموال من هاتف نقال إلى آخر بدل الاضطرار إلى بناء فروع مصرفية فعلية في المناطق القروية أو المتمردة. ثم قام الكويتيون ببيعها لشركة هندية. وهناك أيضا فيما يتعلق بالشرق الأوسط النظام المالي الإسلامي الذي يخضع الاستثمارات لقوانين مختلفة. لديك عدد كبير من الناس الذين لا يخضعون لهذه القوانين، ويمكنك التوصل إلى كيفية القيام بنفس الشيء عبر الهاتف النقال. لكن ذلك غير ممكن. فالأشخاص الذين يمولون هذه الأعمال يريدون توفير الخدمات للأغنياء فقط، لا لبقية السكان.
المعرفة في وارتن بالعربية: تحدثت أيضا عن صراعات الهند مع الرشوة، وعن كيف أنها تصبح أنظف فأنظف بشكل بطيء بتخفيفهم للقيود الحكومية. إذا ما قارننا بين الهند والصين، ما هي رؤيتك للطريقة التي يتكيف بها كل من البلدين مع الفساد وكيف يؤثر ذلك على نمو البلدين وإسهامهما على مستوى الابتكار؟
كريستنسن: أنا لا أجس نبض الرشوة في الهند، ولكنني أعتقد أن غالبية الأشخاص على ظهر البسيطة سيقولون أن الصين، في الفترة التي كانت خارجة فيها من نظام شيوعي، كانت شعبا نظاميا جدا ولهذا فلم يكن الفساد مستشريا فيها بشكل كبير. إلا أن قيامهم بتحرير القطاع الاقتصادي فتح فرصا أمام الأشخاص ليكونوا فاسدين. لقد أصبحت الصين اقتصادا رأسماليا يعرف تسهيلات أكثر نجاعة.
أما في الهند فهناك فرق هائل. فثراء الهند يخضع للتقسيم حسب جغرافيا البلاد، كما هو الحال في بانغالور حيث تزدهر تكنولوجيا المعلومات لكونها تجد الطريق إلى خارج الهند، وتدخل ميدان المنافسة عبر الإنترنت، وبذلك فهي لا تنظم بطرق فاسدة. غير أن الاقتصادات الفعلية في الهند، والتي يتوجب فيها على المنتجات الانتقال إلى الموانئ للخروج من البلاد، فإن هذه الاقتصادات لا تتمتع بنفس النشاط . فرغم أنها في تطور إلا أنهم يحتاجون لبذل المزيد من الجهود للدفع بها إلى الأمام.
المعرفة في وارتن بالعربية: إلى أي حد تستطيع القول بأن الصين مصدر تشويش؟ استعملت مثال "تويوتا" لتبين كيف أن المنظمين حاولوا السيطرة عليهم فقاموا ببناء مصانع في أمريكا للتعامل مع ذلك. إلى أي درجة تمكن السيطرة على الصين؟
كريستنسن: ما سيحدث هو أن الموجات القادمة من التشويش سوف تأتي من بلدان كفيتنام و بلدان جنوب شرق آسيا الأخرى التي لا يستشري فيها الفساد بشكل كبير. ولكن بما أن الصين تنمو بشكل سريع، فقد بدؤوا يشعرون بتأثير سياستهم للسيطرة على عدد السكان. فمعدلات الأجور ترتفع بشكل سريع جدا... لا أعلم من التالي على اللائحة ولكن هذا سيجبر الصين على التوقف عن محاكاة النماذج الغربية. سيكون عليهم أيضا أن ينافسوا على صعيد الابتكارات، حيث بإمكان بلدان أخرى احتلال المراتب الأخيرة في التصنيفات.
المعرفة في وارتن بالعربية: بالنسبة لأي بلد يتعامل مع الصين حاليا، هل تظن أنه سيكون من الحكمة أن يقوم بإيقاف وارداته منها؟
كريستنسن: حسنا، إغلاق الحدود سيساعد بعض الأثرياء على الحفاظ على ثرائهم. لكن ليس هناك دليل، في حدود علمي، على كون إغلاق الحدود يساعد على نمو اقتصاد البلاد. أنظر إلى ما حدث في الهند خلال العقود الثلاثة الأخيرة التي أعقبت استقلالها، حيث أرادوا أن يمنعوا الاستيراد حتى يتمكنوا من تطوير الصناعات الوطنية. غير أن أيا من تلك الصناعات لم تعمل كمحركات للنمو الاقتصادي. فقد كانت كلها غير فعالة ولم تستفد منها الهند إلا بشكل ضعيف. ولم تزدهر الاقتصادات المحلية إلا بعد فتح الحدود.
المعرفة في وارتن بالعربية: تحاول المملكة العربية السعودية بناء يد عاملة محلية عبر إعطاء تحفيزات للشركات المتعددة الجنسية الكبرى لتقوم بتدريب الموظفين المحليين. هل تلك إستراتيجية ناجعة؟
كريستنسن: هناك بعض الشركات التي تحاول إنشاء مشاريع تجارية داخل الصين أو المملكة العربية السعودية، وما يكتشفونه هو أنهم عندما يحاولون إدماج سكان محليين وتدريبهم ليصبحوا من كبار التنفيذيين فإن هؤلاء وبكل بساطة لا يحضرون للعمل. فمن غير الممكن التنبؤ بما إذا كانوا سيحضرون أو معرفة قدر حماستهم لتلك الفرصة. لا أعرف ما السبب في هذه الوضعية. و من الصعب حقا التنبؤ بذلك، لكن هناك ضرورة توظيف عدد معين من المواطنين المحليين.
المعرفة في وارتن بالعربية: أحدث كتبك يتناول موضوع الرعاية الصحية. هل تعتقد أن الفرصة للحصول على رعاية صحية جيدة هي شيء يمكن للعالم أجمع المشاركة فيها؟
كريستنسن: هذا ممكن، ولكن ثانية، هذا أم يمكن حدوثه فقط إذا كان هناك تشويش. فإذا ما استعملت المملكة العربية السعودية أموالها لمحاكاة نظام الصحة الأمريكي فوق تراب شبه الجزيرة العربية هذا لن يؤدي إلى النمو. بل سيساهم فقط في توفير خدمات محلية وإقليمية للأثرياء. بينما إذا كانت هناك شركات تركز على التشويش وتستعمل تكنولوجيات تمكن الممرضات من القيام بمهام تتطلب أطباء عالي الأجر في الولايات المتحدة، فإنها بذلك توفر عناية طبية ذات جودة عالية لمئات الملايين من الأشخاص الذين لا يتلقونها. إذا فهناك فرص هائلة للنمو هناك، ولكنها لا تتأتى بمحاكاة النظام الأمريكي، بل بالتشويش.
المعرفة في وارتن بالعربية: خلال المنتدى العالمي للابتكار (بمدينة نيويورك في شهر يونيو/ حزيران المنصرم) قلت بأن الابتكار الشمسي سيحدث في العالم النامي، وبأنه لن يحدث بالضرورة عن طريق التجارب الجارية في بلد مثل الولايات المتحدة. لماذا لا؟ حيث هناك بعض الشركات الكبرى مثل جنرال إلكتريك التي تحاول معالجة قضايا متعلقة بالاستدامة.
كريستنسن: نعم، ولكنهم أيضا يفتقدون لحس المجازفة. فكيف السبيل إلى جعلهم يكونون ذوي تأثير والتجاوز عن انعدام شهيتهم للأخطار. أنتم تعرفون ما هي عليه البيئات المماثلة في الدول النامية، في إفريقيا على سبيل المثال.
عد معي إلى (الشركة التي قلت إنها كانت توفر طريقة للدفع عن طريق الهاتف المحمول في إفريقيا). لقد فطنوا إلى كون السواد الأعظم من السكان لم يكن يتوفر على آلية دفع آمنة. كان كل شيء يتم عن طريق العملة، وكل واحدة من تلك العمليات كان يكتنفها فساد... فالشركات التي ستليها الآن هي شركات لأشخاص يعيشون مع السكان ويفهمون ماهية حياتهم وما يطمحون لتحقيقه ويفكرون في طريقة لمساعدتهم على العيش بفاعلية أكثر.
المعرفة في وارتن بالعربية: انطلاقا من تجربتك الشخصية، باعتبارك شخصا متشبثا بقيمه ( خلال سبعينيات القرن الماضي، كان كريستنسن مبشرا تابعا لكنيسة يسوع المسيح لاتر دي سينتس Latter-day Saints بالجمهورية الكورية، وهو حاليا زعيم في كنيسته) ما هي النصيحة التي يمكنك إعطاؤها للأشخاص الذين قد يشعرون بصراع داخلي نوعا ما حول إتباع هذا السبيل؟
كريستنسن: لا يخدعنكم المحتالون. أتذكر أن مجموعة من الإرهابيين الشيشان قاموا منذ عدة سنوات بالسيطرة على مدرسة ما، وخلال هذه العملية قتل ما يزيد عن ثلاثمائة شخص من بينهم تلاميذ. وتمكنت صحفية بريطانية بطريقة ما من الوصول إلى مجموعة الإرهابيين تلك واستجوبت زعيمهم. وادعى هذا الشخص أنه كان قد عمل خلال الستينيات من القرن الماضي لصالح تشي جيفارا Che Guevara في بوليفيا. ثم سألته الصحفية عن القضية التي يناضل من أجلها وعن السبب الذي دفعه إلى أخذ مئات من الأطفال رهائن في تلك المدرسة. فاتضح أن ذلك الشخص لا يعرف شيئا عن الإسلام. كان يحمل ذلك اللواء فقط ليتمكن من تحقيق أهدافه الشخصية.







