ليس القمامة: 'الزبالون' في مصر يبحثون عن اعتراف رسمي.
Published 10/08/2010 in Arabic Knowledge@Whartonكانت ساحة لعب عزت نعيم، بعد أن اشتد عوده، عبارة عن كومة من قنينات الشامبو أو الورق. كان الشارع الذي يعيش فيه مليئا بقشور الفواكه وبالخبز الفاسد. كانت الخنازير تجري بحرية، وتقتات على النفايات التي تملأ الشوارع، وفي كل يوم تجلب العربات التي تجرها الحمير أطنانا من القمامة من كل أنحاء القاهرة. ولد في عائلة زبالين، "ناس القمامة" في مصر، لم يسبق لنعيم أن ذهب إلى المدرسة أبدا، لكنه تعلم كيف يميز أجزاء البلاستيك، والقطن، والمعادن، والحديد وسط ركام النفايات التي يجمعها أبوه في شوارع القاهرة.
يعيش نعيم فيما يطلق عليه معظم المقيمين في القاهرة ب"حي الزبالين،" وهو عبارة عن مستوطنة عشوائية لا تبعد إلا أميالا قليلة عن الأهرام. فقد تعود المقيمون في هذا الحي، البالغ عددهم 60.000 نسمة، على طبقات الحشرات والروائح الكريهة التي تملأ الجو. غير أنه وسط هذا العفن الفاضح، أثبت الزبالون أنهم جماعة قوية من رواد المشاريع. من دون دعم الحكومة أو خدمات المدينة العامة، نظم الزبالون أنفسهم داخل مصلحة تعنى بالتخلص من النفايات العضوية الرخيصة وعالية الفعالية داخل المدينة الأكثر كثافة من حيث السكان في أفريقيا. يقول نعيم بهذا الصدد:"نحترم ما نعتقد فيه، و الخبرة المحلية لناس النفايات. إن الزبالين هم من يدبر النفايات الصلبة في مصر."
على مدى الأربعين سنة الماضية، حسن سكان "حي القمامة" من طرق الجمع والفرز، وصنعوا آلات تعمل بالمجهود البشري خاصة بهم، وابتكروا نظاما يشتغل كل رجل، وكل طفل، وكل امرأة في إطاره. يمكن لمجهود الفرز اليدوي أن يكون مضرا بالصحة، مع معاناة الكثير من الزبالين من التهاب الكبد كنتيجة لعملهم هذا. غير أن التقديرات تشير إلى أنهم يجمعون 4.500 طنا من النفاية في اليوم، وإلى قدرتهم على إعادة تدوير 85 في المائة من القمامة التي يجمعونها -- وهي إحصاءات تفوق أفضل جهود عمال إعادة التدوير في الغرب.
بعد محاولة فاشلة من جانب الحكومة المصرية لخصخصة جمع النفايات عبر التعاقد مع مقاولين أجانب، وبعد قرار مثير للجدل يقضي بالقضاء على قطيع الخنازير لاحتواء أزمة انتشار أنفلونزا الخنازير، بدأ الزبالون في إضفاء طابع رسمي على إحدى الأنشطة التجارية الأكثر ربحا داخل البلد. يشير نعيم إلى أن "مشكلتنا كجامعي نفايات هي أننا نحب أن نكون غير رسميين. كل مجموعة من الناس غير المتعلمين تخشى التغيير، والقواعد، والقانون، والحكومة. جئنا من مصر العليا، حيث كنا نعيش في عزلة عن الآخرين، وعندما وصلنا إلى هنا، انغلقنا أكثر على أنفسنا.
إيجاد مسكن دائم:
كان جد نعيم من بين الأوائل الذين هاجروا من أسوان شمالا إلى القاهرة بحثا عن العمل. بعد الفشل في إيجاد عمل ذات أجر جيد، بدأ رفقة آخرين من قريته الأصلية في تربية الخنازير والماعز، والتي تقتات على أكوام القمامة في ضواحي القاهرة. كساكنين بدون حق، لم يكونوا يملكون أي صفة قانونية على الأرض التي يقيمون فوقها مما عرضهم للإفراغ وغيروا مكان إقامتهم ست مرات. في هذه الأثناء، كانوا يعيشون على قمامة المدينة. يقول نعيم في هذا الإطار:"خلال هذه الفترة، لم تكن الحكومة تأبه بمشكلة النفايات داخل المدينة. كان فقط هناك شخص يكنس الشوارع ويأخذ القمامة إلى مدفن وطني للقمامة. كانت النتيجة أن تولى الزبالون الأمر."
بحلول عام 1976، وجد الزبالون ملاذهم الدائم في وادي "منشية ناصر". فالمزيد من المساحة تعني قدرة الزبالين على توسيع نشاطهم. تعاقدوا مع المدارس، والفنادق، والشركات لجمع نفاياتها. بل ذهب البعض إلى التعاقد مع المستشفيات. وطيلة فترة الثمانينات، بدأ "حي القمامة" في جذب اهتمام وسائل الإعلام، التي أخذت تنشر صور الأطفال وهم يجلسون فوق ركام النفايات. غير أن المنظمات الإنسانية الدولية رأت أن الزبالين عبارة عن جماعة من رواد المشاريع، تكافح من أجل لقمة العيش وسط قطاع غير منظم داخل الاقتصاد المصري.
حسب علياء المهدي، عميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، فإن ما يقارب 82 في المائة من قطاع المؤسسات الصغرى في مصر عبارة عن مشاريع غير منظمة. في المقابل، تقريبا 90 في المائة من تمويلات قطاع الأعمال غير المنظم في مصر تأتي من منظمات غير حكومية. تقول بهذا الصدد:"إن الأمر بسيط للغاية. يحقق القطاع غير النظامي والمؤسسات الصغرى أرباحا كبيرة من خلال العمل بشكل غير منظم أكثر من العمل المنظم. فتكاليف العمل المنظم تكلفهم نسبيا أكثر."
مكان منظم:
يجلس إسحاق ميخائيل، ذو ال57 ربيعا، في مكتبه داخل مقر "جمعية حماية البيئة"، والتي تشرف على مكان يضم آلات لإعادة تدوير البلاستيك وتنظيفه. تصطف أكياس الخيش المملوءة بالبلاستيك المعاد تدويره والممزق بجانب جدار من القرميد. تأتي الشاحنات المفتوحة من الخلف محملة بقمامة اليوم ثم تغادر وهي محملة بالمنتج النهائي. بعد مرور ساعة، تبدأ حركة مستمرة داخل مكتب ميخائيل.فأحدهم فقد بطاقة تعريفه الوطنية ويحتاج إلى مساعدة للحصول على نسخة أخرى. عامل آخر في حاجة إلى قرض صغير لطارئ عائلي. إن ميخائيل هو الأب الروحي داخل حي القمامة، ويريد أن يرى عائلته تنمو. يقول في هذا الإطار:"في عام 1986، منحنا ثلاث آلات لتكسير البلاستيك وآلتين لتمزيقه. عندما سلمنا الآلات للناس لتملكها، جمعوا المال وبدأ كل واحد في الابتكار. فجأة، لم نكتف بالفرز فقط. كل واحد كان يعمل في إعادة التدوير."
اليوم، لا يزال "حي القمامة" عبارة عن مقلب نفايات. تتجمع كومات من القمامة على جانب الشوارع الضيقة، لتصل إلى الطابق الثاني أو حتى الثالث للبنايات. لكن ما أن يتعود الواحد على هذه الرائحة، حتى يسهل النظر إلى "حي القمامة" على أنه جيد التنظيم. يتم فصل النفايات وتكوين كومات من المعادن، والبلاستيك، والنفايات العضوية، وحتى النفايات الإلكترونية. تأتي الشاحنات المفتوحة من الخلف على مدار الساعة إلى "منشية ناصر" وتغادرها محملة بكميات من النفاية. دورة العمل داخل حي القمامة بسيطة. يعمل المجمعون، الذين هم دائما رجال، على البحث عن القمامة عند كل بيت من بيوت القاهرة. لقد ابتكروا مسارا معقدا يخترق كل أحياء المدينة، وكل أسرة تعتبر مسئولة عن حصتها في جوارها. يحضر بعض المجمعين قمامتهم إلى منازلهم، حيث تعمل النساء والأطفال على فرزها وبيعها للتجار. أما الآخرون فيعملون على تخزين حمولتهم في منطقة تجميع مقابل ثمن ضئيل.هنا يمكن للأسر التي لا يوجد بها مجمع اقتناء النفاية من أجل فرزها.
بعد ذلك تعرض القمامة أمام البيوت حتى يراها التجار. تنظف المواد الخام ثم تقطع، بعد ذلك تباع إلى منشأة إعادة تدوير. هنا يعمل سبعة من الأشخاص، شيبا وشبابا، على تنقية البلاستيك، وتذويبه، وتحويله إلى قطع جاهزة للبيع. يشغل روماني مجدي، البالغ من العمر 24 سنة، آلة التطهير والتقطيع. يضع البلاستيك، المقطع إلى قطع صغيرة ونظيفة، في أكياس من 50 كيلوغراما. يوضع البلاستيك داخل الآلة، حيث يحمى، ويطهر، ويخرج على شكل حبيبات. بعد ذلك تعبأ الأكياس مرة أخرى بالبلاستيك المعاد تدويره. في هذا الوقت، يجري مجدي من طرف الآلة التي تبلغ 12 قدما إلى الطرف الآخر، ويتأكد من مستوى الحرارة السليم، وأن ليس هناك عقد في البلاستيك وليس هناك انسداد. يقول:"تحتاج هذه الآلات إلى إشراف دائم. يتعين عليك أن تقف إلى جانبها وتتأكد من أن كل شيء على ما يرام."
في السنة الماضية، كان مجدي يعمل 12 ساعة في اليوم، بحيث يعمل أسبوعا في الليل والأسبوع الموالي في النهار. اكتسب خبرته فيما يخص الآلة من الفترة التي قضاها في "مدرسة إعادة التدوير للفتيان"، التي أسستها مؤسسة "روح الشباب" التابعة لنعيم. هنا، تلقى مجدي مهارات إعادة التدوير، والحاسوب، والرياضيات. كان من بين الأوائل الذين ترددوا على المدرسة، وكان جزءا من مبادرة مع "بروكتر وغامبل" Proctor & Gamble التي يوجد مقرها في الولايات المتحدة، لجمع قنيناتها الشامبو وإعادة تدويرها. يقول في هذا الإطار:"ابتكرنا هذه الآلة على نطاق ضيق من مواد معاد تدويرها في المدرسة. عندما أنهيت برنامجي، ساعدت في إنشائها هنا." اليوم، هناك خمس آلات مثل تلك التي يشغلها مجدي داخل "حي القمامة"، وتكلف كل واحدة تقريبا 53.000 دولارا. يمكن للآلة أن تنتج مئات الأطنان من البلاستيك في اليوم الواحد، والتي تباع فيا بعد إلى شركات تستعملها في صنع مشاجب وكراسي بلاستيكية، أو إلى المصدرين الأجانب الذين يبيعونها إلى الصين وبلجيكا.
مجمعون أجانب غير فعالين:
من دون ترخيص، وتسجيل، واعتراف من الحكومة، يستمر سكان "حي القمامة" في العيش غير الآمن. في عام 2000، حصلت الشركات الأجنبية، التي تعاقدت معها وزارة الدولة للشؤون البيئية، على رخص وعلى صفقات بملايين الدولارات لجمع نفايات القاهرة. يقول حنا فتحي، ذو ال32 عاما، إن العقود الأجنبية خلقت إحدى العوائق الاقتصادية التي أضرت كثيرا بعائلته، وبالمدينة ككل. تقوم الشركات بتوظيف الناس المتعلمين فقط، يضيف، وكانت الأجرة أقل بكثير مما يحصل عليه المقيمون من تجميع نفاياتهم الخاصة. يقول:"هنا في "حي القمامة"، يعمل كل أفراد العائلة. تخيل أنه فجأة شخص واحد فقط يحصل على عمل ويعيل البقية. بينما كان كل فرد يحصل على 211 دولارا في الشهر، الآن فقط الرجال يملكون فرصة الحصول على أقل من 131 دولارا لكل واحد."
في الوقت الذي يرتدي فيه بعض سكان "حي القمامة" البدل الكاملة ذات اللونين الأخضر والأصفر التي تصنعها شركات أجنبية، لا تتحمل الأغلبية تخفيضا في الأجر. الكثير من الناس يقومون بعملية الفرز في شوارع القاهرة. يأخذون فقط المواد التي يستطيعون استعمالها والاستفادة منها. يستعملون المواد العضوية كعلف للخنازير، والتي كانت مصدر دخل الزبالين. غير أن عملية قتل الخنازير الجماعي في السنة الماضية بسبب الخوف من أنفلونزا الخنازير أنهى الحاجة إلى جمع النفايات العضوية لتتكوم في الشوارع. يقول فتحي:"جلبت الشركات الأجنبية شاحنات ضخمة قادرة على رفع سلة النفايات.كانت هذه الشاحنات مزخرفة، ومزودة بمكانس وبآلات لتنظيف الشوارع. غير أنها لم تتمكن من فرض ذاتها على المصريين المتعودين على جمع النفايات بأنفسهم. كما لم تتمكن من اقتحام الشوارع الضيقة في كل أنحاء القاهرة."
حسب ماتيو بيدويل Matthew Bidwell، أستاذ الإدارة في وارتن، أثبتت الشركات الأجنبية أنها غير فعالة فيما يخص تجميع النفايات لأنها فشلت في التوظيف في صفوف نظام إدارة النفايات الصلبة في مصر. يقول بيدويل:" على الرغم من أن الموظفين الخارجيين يتمتعون بتعليم جيد وبخبرة كبيرة، لا أجدهم يحققون نتائج جيدة مقارنة بالموظفين الداخليين." أجبر جلب موظفين جدد إلى هذه الصناعة الشركات الأجنبية على تدريب موظفين جدد على مهارات شاقة لا تملك أي خبرة مصرية في هذا الإطار. كما تعرضت الشركات الأجنبية للرفض من قبل الكثير من المصريين أنفسهم، الذين كانوا غير مستعدين لدفع رسوم مرتفعة مقابل جمع النفايات.
بناء نظام رسمي:
بهدف إدماج جماعة "حي القمامة" داخل صناعة إدارة النفايات النظامية في مصر، أسست "جمعية روح الشباب"، التابعة لنعيم، "مدرسة إعادة التدوير للفتيان"، وتعمل الآن مع الزبالين لمساعدتهم في الحصول على رخص وعقود عمل. يقول مجد مدينة، مدير مشروع مع "جمعية روح الشباب":"بهذه الطريقة، نبني نظاما نظاميا. سيخلق هذا فرص عمل جديدة، وسنقوم بالمزيد من إعادة التدوير، وسنبدأ في الاهتمام بالبيئة."
حسب مدينة، فإن الزبالين وضعوا برنامجا تحت مسمى "الفصل عند المصدر" بشراكة مع المقاول الإسباني "إيما" Emma. أطلق البرنامج النموذجي في منطقة الزمالك الثرية في القاهرة. طلب من المواطنين فرز المواد العضوية عن تلك غير العضوية. يقول مدينة:"يجمع جامع النفاية الكيسين معا. يعطي النفايات العضوية إلى "إيما"، التي تتخلص منها، ويأخذ جامع النفاية المواد غير العضوية لإعادة تدويرها."
كما بدأت "جمعية روح الشباب" في منح رخص لعمل جمع النفايات في كل أرجاء القاهرة. بمساعدة محامين متطوعين، أنشئت شركات صغيرة تضم الزبالين، مع عمال مرخصين. يضيف مدينة:"نركز على ألا نقول 'نحن زبالين فقراء، تحتاج إلى مساعدة.' نقول توجد مشكلة ولا بد من حلها. كل واحد في حاجة إلى الفوز. نريد أن نظهر أن نظام إدارة النفايات الصلبة في القاهرة يعاني من مشكلة، وأن 30 سنة من الخبرة كفيلة بحلها."







